جان لوئيس بوركهارت

125

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

عشرة أيام أو اثنى عشر حتى يختمر الشراب فيكشف عنه ويمكن عندها تعاطيه . ولكن أجله لا يطول عن الحول ، ولا يتعدى محصول البلح التالي ، وإلا شابت طعمه حموضة ، كذلك يصنع النوبيون شرابا يسمى البوظة ، وهو شديد الشبه بالجعة أو البيرة ، ويستخرجونه من الذرة أو الشعير . وأفضله من الشعير ، ولونه كدر ، وهو عظيم القيمة الغذائية . وفي القاهرة وسائر المدن والقرى الكبيرة في الصعيد دكاكين لبيع البوظة أصحابها من النوبيين وحدهم . وتستهلك في الدر مقادير كبيرة من الشربوت وعرقى البلح المقطر : ويباع الخمر في مشارب خاصة ويتعاطاه أفراد الطبقة العليا ويثملون به كل مساء ، وتصنع خمور البلح وتباع علانية في كل أرجاء الصعيد من أسيوط فصاعدا ، ويفرض الباشا ضريبة على تجارها . ويستخرج من البلح أيضا ضرب من المادة الهلامية كالعسل يأكله الأغنياء كالحلوى . وليس في النوبة فاكهة غير البلح وقليل من العنب رأيته في الدر . ومناخ النوبة صحى جدا على شدة قيظه في الصيف ، لا سيما في البقاع الصخرية الضيقة ، ولعل السر في ذلك جفاف الهواء . ولست أذكر أنني رأيت فردا واحدا في الأسابيع الخمسة التي أنفقتها هناك يشكو مرضا من الأمراض . وقد يفد الجدري أحيانا على النوبة فيفتك بالناس فتكا ذريعا في كل أرجائها عدا وادى الكنوز . ولا يعرف الناس التطعيم ، أو قل إنهم لا يمارسونه ، سواء في النوبة أو في صعيد مصر ، وقد فشلت المحاولات العديدة التي بذلت لإدخال نظام التطعيم في الصعيد ، أو على الأصح لتثبيته ، وزعم بعض الرحالة أن هذا الوباء يفد على مصر من الجنوب ، وهو زعم خاطىء لأنه لا يبلغ في انتشاوه في النوبة الشلال الثاني ، ولا يعرف في دنقلة ولا على طول الطريق إلى سنار . والرجال في النوبة على العموم ذوو أجسام قوية مفتولة وتقاطيع وسيمة ، وهم أقصر قليلا من المصريين ، لا شوارب لهم ، ولحاهم صغيرة لا تجاوز أسفل ذقونهم ، كلحى الأسرى الذين ترى صورهم على لوحات المعارك المرسومة على المعابد المصرية . وكثيرا ما لحظت في أثناء رحلتي في قرى النوبة أن هناك على العموم تناسبا بين قامة الأهالي وبين عرض الأرض الزراعية ، فأينما كان الوادي